في مجال عمل العلاج النفسي على مدار عشرات السنين، رأينا الكثير من الحالات المؤلمة والمحزنة لمرضى فقدوا حياتهم، أو عائلاتهم، أو أعمالهم، أو آذوا غيرهم، بسبب أفكار خاطئة عن العلاج النفسي. لذلك نقدم هذا البيان، راجين أن يتسع عقل وقلب كل مسيحي لفهم ما فيه، والاستفادة من خبرة المتخصصين في هذا المجال. بسبب نقص البحث العلمي في مجال الاضطرابات النفسية في العصور الماضية، كان الرأي السائد أن الاضطرابات النفسية هي خليطٌ من الأمور الشيطانية والسحرية، وكانت مرادفًا لكلمة "الجنون"، والكلمة تأتي مِن "مَن مسّه الجن". ولكن مع تقدم البحث العلمي بمرور الأيام، ثبت لدى العلماء أن الاضطرابات النفسية ترتبط بحدوث تغيرات في النواقل العصبية والتركيب التشريحي للمخ، وأصبح ذلك هو الرأي السائد علميًّا. وهذا الرأي العلمي لا يتعارض مع الكتاب المقدس الذي يُعلّم بأن الجسد لم يُفدَ بعد (رومية 8: 23). وبما أن المخ هو جزء من هذا الجسد الذي لم يُفدَ بعد، فهو إذًا معرضٌ للاضطرابات الكيميائية والتشريحية، والتي تؤدي إلى اضطرابات نفسية تظهر في أعراض فكرية وشعورية وسلوكية. وعليه، في ضوء ما سبق، نذكر الآتي: 1- الاضطرابات النفسية هي اضطرابات عضوية (في المخ)، ولا تعني نقصًا في الإيمان، أو مشكلة في العلاقة مع الله. فالإيمان لا يحمي من الاكتئاب المرضي (مثلًا)، تمامًا كما أنه لا يحمي من الإنفلونزا. على أننا لا ننكر أن إيمان المؤمن في ارتباطه بالرب وببقية إخوته يمكِّنه من التعامل مع الاكتئاب بشكل أفضل، وهذا يؤكده البحث العلمي أيضًا. 2- هناك خطوط إرشادية لعلاج الاضطرابات النفسية تشمل الأدوية النفسية، وجلسات العلاج النفسي، وجلسات تنظيم إيقاع المخ. 3- الشخص الوحيد المنوط به تشخيص الاضطرابات النفسية (طبقًا لمعايير مُحدَّدة وواضحة)، ووصف العلاج اللازم (سواء كان دوائيًّا أو غير دوائي)، يجب أن يتم على يد طبيب نفسي حاصل على شهادة تخصصية في الطب النفسي، وليس أي طبيب في تخصص آخر. وبعد ذلك، يمكن أن يقوم آخرون مؤهلون علميًّا مثل أخصائيّ العلاج النفسي، بعمل جلسات العلاج النفسي (غير الدوائي). 4- تعاطي العلاج الدوائي النفسي لا يعني مطلقًا ضعف الثقة في قدرة الله على الشفاء؛ فالله القدير هو أيضًا له سلطان: قد يختار أن يشفي بكلمة لو ٧: ٧، وقد يختار أن يشفي من خلال الطب والأدوية إر ٨: ٢٢، ١تي ٥: ٢٣. وكما أننا لا نجد أي غضاضة في الذهاب للطبيب الباطني أو طبيب الجراحة، والالتزام بالتعليمات العلاجية سواء كانت أدوية أو عمليات جراحية، ولا نرى في ذلك تعارضًا مع الإيمان والثقة بالله، كذلك يجب أن تكون نظرتنا وتعاملنا مع الطبيب النفسي والأدوية النفسية. 5- تقديم النصيحة بعدم تعاطي العلاج الدوائي النفسي الموصوف من قِبَل الطبيب النفسي هو جريمةٌ قد تؤدي إلى أن يفقد شخصٌ حياتَه (كأن يُقدِم المكتئب على الانتحار، لعدم تعاطي العلاج. أو أن يُقدِم مريض الفصام الذي يعاني من ضلالات الخيانة على إيذاء زوجته). أو في أقل الأحوال ضررًا، قد تؤدي إلى إطالة معاناة المريض والتأثير على أدائه وإنتاجيته. فإذا لم يقتنع المريض برأي الطبيب في التشخيص أو وصف العلاج، فعليه أن يزور طبيبًا آخر. ولكن إذا اجتمعت آراء الأطباء بضرورة تعاطي العلاج الدوائي، فيجب الالتزام بذلك وليس من حق أي شخص -مهما كانت سلطته الدينية أو الروحية- أن يشير بغير هذا. 6- هناك الكثير من القناعات الخاطئة المرتبطة بالأدوية النفسية، مثل: · الأدوية النفسية تؤثر سلبًا على كيمياء المخ: الاضطرابات النفسية هي المرتبطة باضطرابات في كيمياء المخ (النواقل العصبية)، وتقوم الأدوية النفسية بإصلاح هذا الخلل. · الأدوية النفسية تسبب الاعتمادية والإدمان ومن يتعاطاها لن يمكنه الاستغناء عنها: بعض الأدوية النفسية قد تسبب إدمانًا أو اعتمادية، ولا يمكن صرفها إلا بروشتة مختومة. ومع هذا، فمراعاة تعليمات الطبيب في جرعة ومدة العلاج هو ما يجنب المريض إدمان الدواء. أما بالنسبة لمعظم الأدوية النفسية فهي لا تسبب الاعتمادية أو الإدمان، ومدة تعاطيها تعتمد على طبيعة الاضطراب النفسي، وهل هذا الاضطراب يحدث في شكل نوبات، أم هو مرضٌ مزمنٌ. فإذا كان الاضطراب النفسي يحدث في شكل نوبة أو مرتبط بظروف معينة قد تتحسن أو تختفي، فإن العلاج يكون مؤقتًا. أما إذا كان الاضطراب مزمنًا، فإنه لا يمكن إيقاف العلاج، وإلا عادت الأعراض للظهور من جديد. لذلك إذا استلزم الأمر الاستمرار على العلاج النفسي، فليس لأن المريض قد أدمنه، ولكن لأن اضطرابه النفسي من النوع المزمن الذي يحتّم الاستمرارية. (تمامًا مثل الأمراض المزمنة الأخرى كالضغط أو السكر... فأنت لا تدمن علاج الضغط، لكنك لا تستطيع الاستغناء عنه). · الأدوية النفسية تسبب أعراضًا جانبية خطيرة: الأدوية النفسية تتفاوت في أعر