إننا نحتفل اليوم بعيد الميلاد المجيد، الذي نتذكر فيه ميلاد السيد المسيح له المجد، وأريد أن أكلمكم اليوم عن الميلاد بطريقة مختلفة.وأضاف: أن ميلاد المسيح له أبعاد وتأثيرات عديدة، ولكنه في أحد أبعاده يُعتبر نقطة البداية لنموذج حياة مختلفة مليئة بالرحمة والحق وصنع السلام والتضحية. فالميلاد هو نقطة انطلاق لحياة غير أنانية لا تطلب ما لنفسها. وبكلمات أخرى، هذا يعني أن ميلاد السيد المسيح يشكّل ^نوعًا جديدًا من الوجود^ (Another mode of existence)، أي طريقة جديدة للعيش لا تقصي الآخر ولا تجنبه أو تهمشه، بل تدعوه للحياة بكل ملئها.إن احتفالنا اليوم بالميلاد في حقيقته إذن هو احتفال ببداية هذه النوعية من الحياة الجديدة؛ الأب متى المسكين يسميها ^بشرية جديدة مسقط رأسها بيت لحم^، ويدعوها الرسول بولس ^خليقة جديدة^.بهذا المعنى فإن الميلاد هو هدية إلهية للبشرية، نموذج جديد يهديه الله للبشرية لكي تقتفي أثره..ما هو السياق الذي وُلِد فيه السيد المسيح؟لن نستطيع أن نفهم الميلاد فهمًا دقيقًا ونقدر أهميته دون أن نفهم طبيعة المرحلة التي وُلِد فيها المسيح. لقد اتسمت هذه المرحلة بانتشار خطاب الكراهية والتمييز ضد الآخر، كما ساد إسلوب إقصاء المختلف والتهميش الرافض لنوعيات مختلفة من البشر. وكان التنوع مرفوض على مستوى الدين والعرق والنوع (Gender)، وعلى كل المستويات الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، ساد الظلم الاجتماعي والقهر فئات مختلفة من المجتمع، وانتشر الفساد عن طريق الرشاوي، وفسد النظام القضائي.نعم، كانت مشكلة روحية لها دلالة مع الإنسان اجتماعية من الدرجة الأولى!يقول النبي إشعياء: ^ليس من يدعو بالعدل، وليس من يُحاكِم بالحق. يتكلون على الباطل، ويتكلمون بالكذب.^ (إش 59: 4).بل والأكثر من ذلك، أصبح الاختلاف العرقي أداة للتمييز مثلًا، كانت العلاقة بين اليهود والأمم (أي كل من هو ليس يهوديًا) علاقة متوترة؛ فقد كان الأمم بالنسبة لليهود مجرد نجاسة، مثلهم مثل نجاسة المرض ونجاسة الموت. نظر اليهود لأنفسهم على أنهم ^شعب الله المختار^ رغم أن الاختيار لا يعني الأفضلية أو الفوقية بل هدفه خدمة العالم كله.أو كمثال آخر، كان اليهود يحتقرون السامريين بشكل كبير (ق ايو 4: 9) لأنهم تزوجوا من شعوب أخرى غير اليهود فأصبحوا ^نجسين^ في نظر اليهود ولا يجب التعامل معهم.وعلى الصعيد السياسي، احتل المستعمر الروماني الأرض دون وجه حق، بل وحاول أن يستغل السلطة الدينية ليتحكم في الشعب كما يخبرنا التاريخ عن تعيين الحاكم السياسي لرئيس الكهنة اليهودي في زمن المسيح.باختصار، كان الفساد والظلم يملأ المجتمع الذي وُلِد فيه المسيح بكل أطيافه..التجهيز النبوي لمجيء المسيحإذا عدنا للخلف قليلًا، نكتشف أن الرغبة الإلهية للحياة الإنسانية هي أن تكون حياة كريمة، حياة لها قدسيتها واحترامها وخصوصيتها، بحسب الحق، أي بحسب الطبيعة الإلهية بصفتها معيار الحق. يقول ميخا النبي: ^قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح، وماذا يطلبه منك الرب، إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة^ (مي 6: هذه هي خلاصة الشريعة الإلهية التي يطلبها الله من الإنسان: صناعة الحق، ومحبة الرحمة.المجيء والاستردادوكان الأنبياء في زمن ما قبل المسيح يربطون بين مجيء المسيح وزمن الاسترداد الإلهي لكل شيء، ليرد المسيح كل شيء إلى أصله عن طريق تصحيح الانكسار الموجود في العالم بكل صوره: الظلم، الفقر، المرض، الخداع، الاغتصاب... إلخ. يقول النبي إشعياء عن توقعه بمجيء المسيح: ^فلا يقضي بحسب نظر عينيه، ولا يحكم بحسب سمع أُذنيه، بل يقضي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض^ (إش 11: 1 – 4). هذه هي الأمور التي كان يحلم بها الأنبياء أن تتحقق حينما يُولد المسيح: أن يسود العدل بين البشر، ويتم إنصاف المظلومين في المجتمع.، وفي وسط كل هذا التشوش... وُلِد السيد المسيح...إن النموذج الذي يقدمه السيد المسيح بحياته لنا يتلخص في الوصية التي شملت الناموس كله. وهذه الوصية لها شِقين. الشِق الأول منها هو ^أن تحب الرب إلهك من كل قلبك وعقلك ونفسك^، والشق الثاني منها هو ^وتحب قريبك كنفسك^. كانت هذه الوصية تشرح مفهوم المحبة الحقيقي عند المسيح، لأن محبة الله تظل ادعاءً حتى تتجسد في محبة القريب. هذا الربط النبوي بين محبة الله ومحبة الآخر كان جديدًا بالنسبة للمجتمع اليهودي، لأنه ببساطة يتعامل مع جذر المشكلة في القلب الإنساني.كانت فكرة المسيح الجديدة التي يتحدى بها مجتمعه هي أن الذي يحب، ويعرف طبيعة المحبة، سوف يحب الله ويحب الإنسان في نفس الوقت. وأي محاولة للفصل بين محبة الله ومحبة الآخر مستحيلة عند المسيح بسبب طبيعة المحبة ذاتها. وبهذا الشكل، خلق المسيح خطاب آخر يقاوم خطاب الكراهية السائد في عصره؛ إنه خطاب المحبة، وأصبح لدينا لغة جديدة استخدمت مفردات مميزة لتعبر عن مثلث العلاقة بين